رسالة جان ڤانييه 6

اصدقائي الأحباء،

اني في دير عمانوئي (Emmanuel)، دير صغير للروم الكاثوليك حيث تقيم سبع راهبات متأملات، اثنتان منهنّ كانتا في السفينة. يستند هذا الدير الى الجدار الفاصل، جدار الخوف، جدار البغض، رمز لكافة الجدران التي تسوّر قلوبنا. لم اعد اسافر، الا ان سببين قد شجّعاني على هذه السفرة برفقة اوديل. الاشتراك في رياضة صغيرة مع الراهبات السبع (ومع اخوات يسوع الصغيرات) عند هذا الجدار. ذلك لأنهنّ رمز الأمل في هذا العالم حيث تتغلب الكراهية على المحبة واليأس على الرجاء وحيث الترحيب بالغريب غائب بشكل فظيع.

كما كان في نيتي أن التقي الأسرة الصغيرة وهي مشروع السفينة. كانت  الأسرة هذه في بيت لحم حلما طالما راودني، حلما اخذ يتبلور في عام ١٩٨١ لدى زيارة احد المسؤولين للفلك   (L’Arche)يسألنا إن كنا نستطيع أن نأخذ على عاتقنا مؤسسة تقام في قانا الجليل لـِ ٢٢٠ فتى، من أصل عربي. فتفهّم رفضنا العمل في مؤسسة كبيرة )إذ أن مشروعنا القائم على تواضع الرؤية في الفلك يتأبّى ألا إلى العمل في نطاق عدد قليل وفي اسر صغرى ذات مقياس متواضع( إلا انه وعد بالمساعدة إن كانت انطلاقتنا فيما كان يسمّى آنذاك المناطق المحتلّة (فلسطين).

كانت اوديل(Odile)  قد قامت بزيارة إلى الملجأ، وهي مؤسسة صغيرة، ملجأ صغير بالقرب من بيت لحم حيث كان العديد من الفتيان يعانون، بانتظار إقامة مؤسسة مثل السفينة.  وهكذا فقد تحقق الحلم في  بيت عنيا،  برفقة  ماري-انطوانيت وكاتي  (Marie-Antoinette et Kathy)، ثم مع فرانسواز  (Françoise)وآخرون. تحقق في واقع سريع العطب،  إذ  تهدّد  بقاؤه لدى إغلاق الملجأ، عام ١٩٩١، مع حرب الخليج. إلا أن العلاقات استمرّت،  مع  وجود  كاتي(Kathy) ،  وابن  عمّي  ميشيل  دي  سالابرّي  (Michel de Salaberry) وآخرين. فكانت الكلمة الحاسمة للحياة، وها نحن نجتاز مرحلة حاسمة جديدة، في بيت لحم، مع كاتي وسيدة فلسطينية، ماهرة، وقد قبلت أن تأخذ المشروع على عاتقها.

 سعدت بزيارة هذه الأسرة وبلقاء كل المعوقين، وكل من المساعدين. أنها أسرة يعمل فيها المسيحيون والمسلمون، جنبا إلى جنب، يحتفون معاً ويتناولون الطعام معاً، فيكون لقاؤهم بالعمق. انها لأسرة صغيرة حقيقية. صحيح لا يعيشون معاً، كما في بيت أخر ، لأن كل واحد منهم يقيم مع أسرته، إلا أن الأسرة التي تجمعهم حقيقة فعلا بفضل عرى الصداقة والاتحاد والعمل. لقد لمست الفرح الذي يخيّم على كونهم معاً، وبإمكاني أن اشهد عن روعة هذه الأسرة المكوّنة من علاقات صداقة واتحاد وعمل. يصنعون مغائر وحاجات أخرى من صوف الغنم، غنم بيت لحم.

في محاضرة عامّة ألقيتها في المدينة، أمام ٤٠٠ شخص، معظمهم من  المسلمين، تمكّنت من الإعلان عن رسالة السلام والصداقة والترحيب بالمختلف، تلك الرسالة التي تحملها مؤسسة “معاً للحياة” (وهو اسم الأسرة). تقدّمت حفلة تمثيلية على محاضرتي، جمعت كافّة اعضأء الأسرة: لو رأيتم سعادة الأهل وهم يشاهدون بعضهم بعضا وهم يصفّقون… لأولادهم. السلام والسعادة المخيمان في هذا الدير وفي أسرتنا الصغيرة، يعيدان لي الأمل. العنف، كم هو منتشر في عالمنا. لذلك يسوع قد جاء ليحوّل هذا العنف إلى عاطفة. لنطلب من الروح القدس أن يحوّل العدوانية التي فينا، إلى هذه الحنّيّة التي تؤلف بين الإصغاء والحضور.

هنا، في بيت لحم، اشعر بألم خاصّ لما جرى  لكريستيان ده شرجيه (Christian de Chergé)، هذا الراهب من دير الترابّست  (Trapistes)في الجزائر، الذي قتل مع رهبان من إخوته، عام ١٩٩٦. كان كريستيان يعرف الإسلام، الأساسي المتشدّد، ولكنه أيضا كان يعرف إسلام الجوار المتاخم للدير، وكان إسلاما يوحي بالاستسلام إلى الله، بحياة صلاة عميقة، طيبة تحترم وترحب بالآخرين، المختلفين. لم يكن كريستيان ساذجاً، كان رجلا من رجال الله يحاول أن يفهم الإسلام لدى جيرانه، لاهوتياً. كان يلمس في الواقع أصالتهم وحقيقتهم.

كان يبحث  عن  فهم  هذا  الإسلام  في  منظور  الله  الخالق ، هذا  الإسلام الذي كان مصدر وحي لويس ماسينيون (Louis Massignon)  ، إسلام  المتصوفين  الذين كان كريستيان يصلّي برفقتهم. انه الإسلام الذي نعرفه من خلال السفينة ومن خلال إيمان ونور. لذلك فقد قدّرت حقّ تقدير كتاب كريستيان سالنسون  (Christian Salenson)عن لاهوت كريستيان ده شرجيه، لاهوت الرجاء.

غمرني الفرح في الدير، لدى تناول الطعام مع دافيد نويهاوس(David Neuhaus) ، اليسوعي وفرانك بوفين(Frank Bouwen) ، من الآباء البيض، وابونا رفيق، وكلهم ملتزمون في الحوار المسكوني وبين الأديان. حضورهم وصداقتهم مصدر رجاء بالنسبة لي.

الفلك (L’Arche)، هنا وفي كل مكان آخر، رمز لمكان الوحدة والسلام مع أفراد من ديانات مختلفة، رمز ينطلق من تواجد الأفراد الأضعف في مجتمعاتنا. إنهم يشدّوننا ويدعوننا لتقدير بعضنا بعضا.

سعدت ابيضا جدا، في بيت لحم بالاجتماع إلى أفراد من أسرتي أيمان ونور المقيمتين في الجليل. إيمان ونور، القريبة من الفلك   (L’Arche)، مع الأهداف نفسها دائما بوسائل مختلفة، تزداد عددا وتتّسع بشكل رائع عبر هذا العالم، وتمدّ بالحياة أشخاصا وأشخاصا. يا لهذه الأعجوبة، حركة إيمان ونور التي ولدت في لورد  (Lourde) عام ١٩٧١.

 آما بيتي، بيتي الصغير، فهو مكان أجد فيه الراحة. كثيرون سألوني إن كان  الانتقال من بيتي الذي أقمت فيه لمدة ٣٦ سنة، إلى بيت لعازر، مصدر صعوبات. إني جدّ سعيد في منزلي الجديد. غرفة النوم تطلّ على الحديقة، أشاهد منها الشمس تشرق. مكتبي مع نافذته الواسعة يطلّ على المصلّى و”قصر” العصافير الصغير. هذه العصافير تسترسل في الاستسلام إلى التدجين، فتأتي لتنقر الحبوب التي القيها في “القصر”. إني امجد واشكر لكوني أتقدم في السّنّ، بين أفراد أسرتي. أتناول كافة وقعات الطعام، باستثناء الفطور، في “الوادي الوردي  (Le Val Fleuri)وأنا سعيد بان يقبل بي الجميع، على عَلاّتي.  انها لهدية لي أن أكون مع باتريك، لوران، دودول، انيزيت، استيفاني والآخرين. لحظات فريدة أن نكون معا، نضحك معا ونتفوّه بكثير من الحماقات. كم هو عذب أن يعيش معا الإخوة والأخوات.

لن اذهب إلى اللقاء الكبير الذي سيجمع الفلك في اتلنتا (Atlanta) ، لأقدم الشكر عن  ١٣ سنة من  حضور جان-كريستوف  وكريستين (Jean-Christophe et  Christine)في إدارة الفلك (L’Arche)، ابتهج لحضور باتريك وايلين(Patrick et Hélène)  الذين سيأتيان مكانهما، لا ريب انه سيكون لقاء جميلا: لنتخيل ٥٠٠ شخصا من كافة جماعتنا ، يحتفلون بالحياة، بوحدتنا ونعمة الفلك، يقدّمون الشكر معاً من اجل سنوات الحياة لمدة ٤٨ عاما، مدة كان الله يحمينا بظله. كنت في الاجتماع العام الذي عقد في كولكت (Calcuta)، عام ٢٠٠٨. سأكون قلبا في اتلنتا(Atlanta) ، قلبا وصلاة. وسأتابع هذا اللقاء، قدر إمكاني، بالوسائل التي ستتاح لي.

 اني اغبط هذه الوحدة التي تجمع فيما بيننا، وذلك بفضل وجود الضعفاء في قلب مجموعاتنا. عدد منها سينزل إلى اتلنتا(Atlanta) . سيحتفظون بنا في الفرح والضحكات والاحتفالات. آما مجموعات أسّيز، كولكاتا واتلنت  (Assise, Calcuta, Atlanta) يشدون انظارنا نحو القديس فرنسيس(François d’Assise) ، المهتما غاندي (Mahatma Gandhi) والأم تريزا(Mère Theresa) ، ومارتن لوثر كنج.(Martin Luther King) إنهم النماذج التي تذكرنا بالعمل بالمزيد من التواضع والفرح من اجل الوحدة والسلام.

إني محظوظ بان أعيش قريبا من المزرعة.(La Ferme) مازلت احيي فيها رياضات، منها ما هو معلن في البرنامج الرسمي، وأخرى ليست معلنة، إنها تتوجّه لمهملين، من الأشخاص الذين تألموا في حياتهم الزوجية التي أصابها العطب او لأشخاص آخرين من المقصين. هذا واني حاضر في بعض من تنظيما الفلك. أتابع دورات حول إنجيل يوحنا (بالانكليزية والفرنسية). بفضل هذه الدورات، مازلت اكتشف في عمق هذا الإنجيل كنوزا جديدة تجدّد نظري إلى عالمنا المتألّم والى الهُنا الذي يدعونا إلى الرجاء والى العمل في سبيل السلام – حتى عندما يتراءى ذلك متعذّراً.

حاليا، الربيع يخيّم على النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فالبراعم الملوّنة تزيّن الشجر. نشيد المحبة في الكتاب المقدّس يقول:

“هوذا الشتاء قد ولّى وعبر والمطر فات وزال. الزهور ظهرت في الارض وآن اوان الغناء. (نشيد ٢، ١١- ١٢)

كانت أتّي هُلِّسوم(Etty Hillesum) ، حتى في أوقات ألمها الشديدة. تقول “الحياة جميلة”. نعم، بالرغم من أهوالها وفظاعتها، الله موجود، الخليقة قائمة حيّة، الشمس تشرق وكم هم عديدون الرجال والنساء المليئون بالطيبة والمواساة نحو الأشخاص المختلفين، الضعاف. ثمة رجاء.

 اقبلكم.

This entry was posted in Spiritual Life. Bookmark the permalink. Both comments and trackbacks are currently closed.