رسالة جان فانييه 1

رسالة جان فانييه ـ كانون الثاني 2010

ترولي، كانون الثاني 2010

أصدقائي الأعزاء

أحب وقت عيد الميلاد هذا. الله يتجسد؛ يصبح صغيراً ليعلّمنا كيف نحبّ وكيف ننفتح على أولئك الذين واللواتي يتألّمون ويعانون المصاعب. الله بالتأكيد هنا في عالمنا، لكنّه ينتظر بصمتٍ أن نلتفت إليه ونناديه طالبين العون. في سفر رؤيا القدّيس يوحنّا، نقرأ أنّ الله يقف على الباب ويقرعه. وإذا ما سمعه أحدهم وفتح الباب سيدخل ليأكل معه. أن يأكل أحدهم مع شخصٍ ما في الرؤية التوراتية يعني أن يصبح صديقه. الله يريد أن يجعل منا أصدقاء له. لكن لا حب ولا صداقة دون حرية. وإذا رفضنا الله، فهو ينتظر كي نفتح الباب. الله سجين حريتنا. الله الشفقة لا يستطيع ممارسة شفقته في العالم دون المرور بذكائنا وحكمتنا وقدراتنا وقلبنا. هو ليس إله العنف، بل الإله الذي يدعو وينتظر بحبٍ كي يمنح نفسه لكلٍّ منا.

إله الحنان الذي يحبّ ويحبّنا يريد أن يكشف لكلٍّ منا أنّنا مهمون وثمينون. لطالما نعتقد أننا مهمون لأننا نقوم بأمورٍ “عظيمة”، بأمورٍ تستحق الإعجاب وتنال الاعتراف بها. ينبغي إذن أن نكون أقوياء وشجعاناً وأكفاء وأن نظهر كم نحن قادرون على القيام بأمورٍ عظيمة. لكنّ إله الشفقة هذا يحبنا بمستوى آخر أكثر عمقاً بكثير، يحبنا بحالات ضعفنا وهشاشتنا وصغارنا. الله الذي يستقبلنا يحضننا بين ذراعيه ويقول لنا: “أحبك كما أنت”. هكذا ينهضنا كي نكون جميعاً أدواتٍ لعدالته وسلامه ومحبته.

أحبّ أن أحكي قصة ذلك الصبي الصغير الذي كان يعاني، وهو في الحادية عشرة من عمره، من صعوبةٍ ذهنيةٍ وقال لأمه التي كانت تبكي بسببه: “لا تقلقي يا أمي، يسوع يحبني كما أنا”. لم يكن هذا الصبي الصغير يحتاج لأن يكون ما أراد الآخرون أن يكونه. كان بإمكانه بكلّ بساطةٍ أن يكون ما هو عليه.

أدرك أكثر فأكثر أنّ المحبة تعني تقبّل الآخر مثلما هو، تقبّله باحترامٍ كبيرٍ وعميقٍ لأنّه آخر غيري أنا، لأنّه شخصٌ ما، لأنّه أحد أبناء الله. لديه مواهبه وهشاشته وجماله، وبطبيعة الحال مكامن ضعفه. تقبّل الآخر هو إذن تحريره كي يتمكّن من أن يكون ذاته.

يجذبني التواصل اللاعنفي، وأفضّل أن أقول المحترِم بعمق. هذا التواصل هو الاقتراب من الآخر والاستماع إليه، لا لإظهار تفوّق، وبأننا نعرف أكثر منه، بأننا محقّون وهو على خطأ، بل للاتحاد معه. الاتحاد ليس ذاك الانصهار الذي “يأكل” الآخر، بل ما يمنح الحرية ويرتقي بالآخر كي يكون هو ذاته بالكامل. هذا التواصل المحترِم يستند إلى التواضع. كتب القديس بولس لأول جماعةٍ مسيحيةٍ في أوروبا في فيليبه: “انظروا إلى الآخرين وكأنّهم متفوقون عليكم”.

أحب كثيراً هذه الكلمات التي قالها بطريرك القسطنطينية أثيناغوراس:

“لقد حاربت نفسي لسنواتٍ وسنوات. كانت حرباً رهيبة. لكنني الآن منزوع السلاح

تجرّدت من الرغبة في أن أكون على حق، في أن أبرر نفسي عبر الحطّ من قدر الآخرين.

لم أعد أحترس، قابضاً على ثرواتي.

إذا تجرّد المرء من أسلحته، إذا تجرّد من ذاته،

إذا فتحنا قلوبنا لله ـ الإنسان الذي يفعل كلّ شيءٍ جديد،

فهو يزيل جروح الماضي السيئ

ويكشف زمناً جديداً، كلّ شيءٍ فيه ممكن.”

أحبّ هذا النص لكنني سرعان ما أنحدر إلى حاجة إظهار نفسي متفوقاً أو الحط من شأن الآخر. قبل فترة، كنت أقدّم محاضرةً عن العنف لمساعدين في السنة الأولى من جماعات لارش. وحين آن الأسئلة، قالت لي مساعدةٌ بنبرةٍ عدائية: “لا أتفق معك”. ثمّ شرحت كيف تنظر إلى الصفح. أثناء استماعي لتلك الشابة، كنت أشعر بتصاعد أنظمة الدفاع لديّ وقلت لها: “أنت لم تفهمي ما قلته”. سرعان ما أدركت أنني كنت أدافع عن نفسي، كما لو أنني كنت أقول: “أنت مذنبة، لم تستمعي حقاً إلى ما قلته”. لو أنني كنت أكثر احتراماً لها ولو أنني أردت الالتقاء بها فعلاً ضمن روح الاتحاد، لقلت “ربما لم أعبّر جيداً”. هذا هو حقاً التواصل المحترِم.  لا يزال لديّ ما أشتغل به على نفسي كيلا أسيطر بل كي أتحد.

ألاّ يكون المرء قنفذاً، ولا مدوسة! ألاّ يسحق ولا يترك الآخر يسحقه. أن يكون المرء حقيقياً. السعي لأن يرى في الآخر شخصاً مهماً ربما تكون لديه مصاعبه العلائقية الخاصة. التفاعل باحترامٍ ومحبة كي تنخفض قليلاً جدران الحماية لدى الآخر عبر خفض جدراني. رؤية كل ما هو إيجابي وجميلٌ في الآخر قبل رؤية ما يمكن أن يكون سلبياً. هذا لا يمنع أن نكون جميعاً مدعوين كي نكون أنبياء وأحياناً كي نقول أموراً تزعج الآخرين كي نلتزم بالحقيقة تجاه بعضنا بعضاً. هكذا نستطيع شقّ دربٍ للسلام

.

أعتقد أنّ الله تصاغر كي لا نخاف منه، ولا نحتاج لنظهر له كم نحن أناسٌ صالحون. الله الذي يتصاغر يدعوني أنا كي أكون فقيراً وصغيراً. الله الذي يأتي من أجل تقبّلنا يحتاج أن نستقبله في أولئك الفقراء. أحبّ هذه الصلاة الموجهة لله، والتي يغنيها طاغور:

هنا كرسيك

هنا ترتاح قدماك

حيث يعيش المدقَع والعاجز والضائع

إذا حاولت الانحناء باتجاهك، لن يبلغ إجلالي

ذلك العمق حيث ترتاح قدماك

بين المدقع والعاجز والضائع.

حيث لا تتراءى الكبرياء أبداً،

هنا حيث تسير في حلّة المتواضع

بين المدقع والعاجز والضائع.

لن يجد قلبي أبداً دربه إلى المكان الذي تسامر فيه من لا سمير له،

بين المدقع والعاجز والضائع.

محبة الآخرين تعني تقبّلهم كما هم كي يتمكنوا من تقبّل غيرهم كما هم. أليس هذا هو معنى الميلاد؟ وكل الأيام هي يوم الميلاد. كل الأيام هي لإظهار الحب عبر مبادراتٍ صغيرة. تغيير العالم، تغيير قلبٍ كلّ مرة. أن يتقبّل المرء الله كطفلٍ ليصبح طفلاً. نعم، لا يزال لديّ عملٌ أجريه على نفسي، لا زلت أحتاج الكثير من نعمة الله كي أصبح حقاً كطفل.

This entry was posted in Spiritual Life. Bookmark the permalink. Both comments and trackbacks are currently closed.