رسالة جان ڤانييه 4

ترولي، نيسان ٢٠١١

الأصدقاء الأعزاء،

إنه الربيع، إنه الربيع! الشمس تدفئنا، العصافير تزقزق، وها هي ذي تتفتح، بعد زهرات الثلج، أزهارُ البنفسج والأقحوان الصغير والنرجس والزعفران وألف زهرة أخرى صغيرة. ثم هناك ازهرار الأشجار المثمرة. ثمة، عند بابي، شجرة تفاح متسلقة ممتلئة، ممتلئة زهرًا. إنها طافحة بالزهر، فوارة أزهار تعلن عن ثمار يانعة في الصيف. ثم هناك الكرمة. بعد اجتماع أوترو الذي التقى فيه عموم جماعات “السفينة” في فرنسا سنة ١٩٩٦، أعطاني بعضهم قصفة خشب صغيرة. كانت كرمة على ما يبدو. وقد غرستها، غير واثق من نفسي ولا من قصفة الخشب هذه. ثم، في نيسان ١٩٩٧، بينما كانت قصفة الخشب تبدو ميتة تماماً، خرج منها نتوء أخضر ضئيل، صار من بعدُ ورقة، ثم انتشرت الأوراق في كل مكان، ثم ظهر العنب. قصفة الكرمة الصغيرة هذه صارت كرمة ضخمة أعطت، منذ بضعة أيام، برعمًا صغيرًا. أجل، إنه الربيع!

بينما كنت أكتب رسالتي السابقة كان الثلج كثيفًا. طوال شهر كانون الأول، كانت هناك طرق مغطاة بالجليد وكان البرد ينفذ إلى كل مكان. أمسى البرد الآن نسيًا منسيًا والحياة حاضرة. اسمحوا لي أن أقتبس قصيدة لكريستيان بوبان:

“عندي السر،
أمسك بالسر بأطراف أصابعي
كما تُمسَك فراشة هشة
بين إصبعين مضمومتين.
يجب الحرص على عدم الشد،
على عدم الضغط، على عدم الإفراط بالبوح.
السر هو أن قلب الذين يموتون
ينفجر فرحًا.”

بعد آلام الشتاء هناك الربيع. أجل، ثمة تفجُّر من الفرح للذين يعبرون من الموت إلى الحياة؛ لكن الأرض، بنظر الذين لا يزالون عليها ويشهدون رحيل أصدقائهم، إنما هي مكان ألم.

نحن الآن في فترة الصوم الكبير التي ستنتهي بموت يسوع. لقد نُبذ يسوع ورُفضت رسالتُه. جاء يقدم دربًا من الشراكة والسلام لعالم غارق في التنافس والانقسام، عالم من الكراهية والحرب. وبموته وقيامته، ظهر درب سلام ضئيل، أعطي لبضعة أشخاص ليعلنوا أننا مدعوون، لا إلى التنافس، بل إلى المحبة. أجل، يريد الله أن يعطينا قوة جديدة، روحًا جديدة للكشف عن المحبة.

هناك قطعًا مآس رهيبة في عصرنا: هايتي، پاكستان، ساحل العاج، اليابان، ليبيا، وأماكن كثيرة غيرها مسكوت عنها، وهناك أيضًا كل هذه القلوب الجريحة في البلدان كلها. نحن البشر سريعو العطب، وعالمنا هش. لكن في الوقت نفسه، في أماكن الألم هذه كلها، ما أكثر أفعال المحبة والشجاعة. عند أسفل صليب يسوع وقفت أمُّه. بينما كان يسوع يعيش إذلالاً رهيبًا، وقد تخلى عنه أصدقاؤه، كان ثمة شخص على مقربة منه. كانت تقول له: “أحبك، أثق بك.” كانت تؤازره بمحبتها. ولدت “السفينة” و”إيمان ونور” في لحظة من التاريخ كان فيه الأشخاص ذوو الإعاقة يُجهَضون قبل ولادتهم. فكان يجب في تلك اللحظة أن يُحدِث الله أماكن، لا للعناية بهم وحسب، بل للكشف عنهم بصفتهم أشخاصًا بشريين رائعين أصحاب موهبة يقدمونها للآخرين، إذا عقدنا صلة معهم، فعندهم القدرة على تحويل قلوبنا. من أكبر المآسي – موتهم – ولدت أماكن تُعلَن فيها قيمتُهم وجمالُهم. فالله ساهر على إنسانية جريحة.

أحيانًا، أسمع أناسًا يقولون إني الآن، وقد بلغت من العمر ٨٢ سنة، يحق لي أن أرتاح لأنه لم تعد عندي مسؤوليات. أما الواقع فهو أن لحياتي الآن معنى أعمق من ذي قبل، إذ أقدر أن أحيا الجوهر الذي ليس “العمل من أجل” أضعف البشر، بل “الحياة معهم”.

عندما تركت البحرية سنة ١٩٥٠، كدت أن أنخرط في جماعة صغيرة كانت تسمى “بيت الصداقة” في قلب حي هارلم للسود في نيويورك. كان توماس مرتون قد ذكره في سيرته الذاتية. زرت تلك الجماعة عندما رست سفينتي – حاملة طائرات – في نيويورك، فصح سنة ١٩٥٠. كنت أستشعر في جانب مني أن حياتي كتلميذ ليسوع كانت الحياة مع المنبوذين والفقراء. وسمتني كذلك جماعات “العامل الكاثوليكي” التي أسستها دوروثي داي، وهي جماعات في الولايات المتحدة يقدَّم فيها للمشردين المأوى والمأكل بروح أخوية، روح الإنجيل. كما أثرت بي كثيرًا وألهمتني حياة شارل دو فوكو وأخوات وإخوة يسوع الصغار: جماعات صغيرة يعيش فيها بضعة أفراد حياة مشتركة، متواضعة وبسيطة، في أحياء أو مدن أو قرى تعاني المصاعب والفقر، من غير ما رغبة في هديهم ولا في تقديم مساعدة اقتصادية لهم، بل في سبيل الإعراب لهم أن هناك مَن يحبهم ويحترمهم، أنهم جميلون وأن الله يحبهم.

والواقع أني، كما تعلمون، لم أذهب للانضمام إلى جماعة هارلم، بل انضممت إلى “الماء الحي” التي أسسها الأب توماس. وقد أدت صلاتي معه إلى مجيئي إلى ترولي وبدئي بالحياة مع رافائيل سيمي وفيليپ سو اللذين أخرجتهما من مؤسسة مرعبة، مكتظة، كان فيها الكثير من العنف، في منطقة باريس. كنت قد وعيت أن الأشخاص ذوي الإعاقة كانوا بين أكثر الناس تعرضًا للقمع والازدراء، وكثيرًا ما كانوا سجناء في بيوتهم أو في مؤسسات. وباستقبالي لهما، حققت الحلم الذي راودني سنة ١٩٥٠ بالعيش مع أشخاص منبوذين كي يُعترَف بكرامتهم.

طوال سنوات، اضطلعت بدور المسؤولية ضمن جماعتي، كما وفي جماعتي “السفينة” و”إيمان ونور” الدوليتين. واليوم، لم أعد أضطلع بأي دور مسؤولية محدد. قطعًا، ظللت دائمًا مرتبطًا بمأوى أتناول فيه وجبات طعامي. أردت أن أكون صديقًا وأخًا لكل فرد من أفراد الجماعة والجماعات الأخرى. أردت أن أكون مع إخوتي وأخواتي لنصلي ونأكل ونحتفي بالحياة معًا. واليوم، صار جانب العيش والأكل المشترك هذا مع الأشخاص المنبوذين (ما يسميه يسوع تطويبة، لوقا ١٤: ١٤) هو جوهر حياتي.

أشعر بأني أكثر يقينًا من أن الله اختار أضعف الناس وأكثرهم جنونًا وأكثرهم مذلة ليخزي الأقوياء والمفكرين. إذ يبدو أن بساطتهم، قلبهم الأكثر انفتاحًا بوضوح من قدراتهم الفكرية، تعطشهم العميق إلى العلاقة، يجعلهم أخص انفتاحًا على الله الذي هو عشق وعلاقة. فهذا الإله العاشق يجد نفسه أكثر ارتياحًا إليهم.

يقول إشعيا (٥٧: ١٥) على لسان الله: “أسكنُ في الموضع المرتفع المقدس، كما أسكنُ مع المنسحق والمتواضع الروح.” وقد جاء في المزمور ١١٣: “يقيم المسكين عن التراب ويرفع البائس من المزبلة ليُجلسه مع العظماء.” كثيرًا ما يكون الأقوياء على تنافُس، وهم ينحُّون الضعفاء ويسحقونهم. لكن الله يقف في صف هؤلاء الضعفاء. فرحي هو أن أكون حاضرًا معهم احتفاءً بالحياة.

الحياة في مأواي أبسط ما تكون. فماعدا الوجبات والصلوات، أحب غسل الأطباق مع الجميع. ولا بد من القول إن الأطباق الخارجة من الآلة من السخونة بحيث تكون جافة عمليًا. وخدمتي، التي أقوم بها وأنا جالس، ليست إذن مرهقة ولا تستغرقني وقتًا طويلاً، غير أنها لحظة فرح وضحكات. پاتريك ليس ماهرًا جدًا، ولا إريك، لكننا نبتهج كثيرًا معًا.

حياتي هنا في ترولي، حين لا تكون ثمة رياضة روحية تُعطى في المزرعة، حياة “لطيفة” نوعًا ما. صباحًا، ألتقي بالناس، القيلولة بعد الغداء، زيارات بعد الظهر، ثم الإفخارستيا، متبوعة بالوجبة في الڤال، وبالطبع، تجفيف الأطباق ثم الصلاة الجماعية. في أغلب الأوقات، نكون أكثر من عشرين شخصًا على مائدة الطعام. وقطعًا أحظى بلحظات صمت مع يسوع.

أعترف بأني بتُّ أشعر بنفسي “دقة قديمة” بعض الشيء. أغلب المساعدين وبعض الأشخاص ذوي الإعاقة لديهم هواتف جوالة. من جانبي، كنت متعودًا على الهواتف الثابتة. ثم تمكنت تدريجيًا من فهم الهواتف المحمولة، بعد أن بدا لي جميع الناس في الشارع غريبي الأطوار، يكلمون أنفسهم، حتى اكتشفت أخيرًا أنهم كانوا يتكلمون في أجهزة صغيرة مع أصدقاء. ولاحقًا، اكتشفت أن هذا الجهاز الصغير يضم أيضًا كاميرا وتلفزيونًا، كمپيوترًا مع غوغل ومع أجندة، وقد أذهلني ذلك! كيف يكون هذا ممكنًا؟

يقال لي إن الفرنسيين يشاهدون التلفزيون بمعدل ٣ ساعات و٢٠ دقيقة في اليوم. هناك قطعًا أشياء مفيدة تُعرَض على التلفزيون، لكن فيه الكثير أيضًا مما يقع في مجال التخيل والعنف. هنالك خطر أن يعيق التلفزيون نضج الإنسان. فهذا النضج ليس مجرد “إذعان” للواقع، بل هو قبوله واستقباله، ومن ثم الاستجابة من غير عدوانية، ولا اكتئاب، ولا هروب إلى عالم افتراضي، ولا وَهْم، ولا بحسب إيديولوجيا، لكنْ بحكمة، حكمة الفهم، حكمة الطيبة والحقيقة. هو الاتصاف بالحقيقة. والحقيقة والحكمة، جزمًا، لا تتجليان فقط في خطاب عقلاني، لكنْ أيضًا عبر سائر أشكال الفن والثقافة. بلى، أشعر بنفسي بعض الشيء وكأن عالمنا الحديث تجاوزني. ومع ذلك، فأنا سعيد بالضحك في المأوى، والمسئولون يحسنون جدًا معاملتي، وأظنني لا أضايقهم كثيرًا، وهم يَقبلون عندما أصل مصطحبًا ضيوفًا. أحب أن أحيا من الجماعة ومن العلاقة، لا في عالم افتراضي، بل في عالم واقعي! وما أشد سعادتي بمسئولي “السفينة” و”إيمان نور” عبر العالم!

صرح يوحنا بولس الثاني برؤياه للكنيسة (بدلاً من “الكنيسة” يمكن لي أن أضع كلمة “السفينة”):

“إنها بيت الشراكة ومدرستها – ذلكم هو التحدي الكبير الذي يواجهنا في الألفية التي تبدأ، إذا أردنا أن نكون مخلصين لخطة الله ونستجيب لمقتضيات العالم وتوقعاته العميقة… روحانية الشراكة هي أن يراعي المرء أخاه كي يشاركه أفراحه وأتراحه، كي يستشف رغباته ويستجيب لحاجاته، كي يقدم له صداقة حقيقية وعميقة. روحانية الشراكة هي أيضًا القدرة على الرؤية، خصوصًا ما هو إيجابي في الآخر، لاستقباله وتقديره بوصفه هبة من الله، هبة لي أنا. وهي، أخيرًا، أن يعرف المرء كيف يعطي مكانًا لأخيه بأن يحمل كل منهما عن الآخر أعباءه.”

أجل، في هذا الشوط الأخير من حياتي، أود أن أحيا هذه الشراكة وأعمل على نشرها في جماعتي. حين سألت پاتريك ماتياس (الذي كان طبيبًا نفسيًا في ترولي بروي) عن ماهية النضج الإنساني، قال: “الحنان.” أليست كلتا “السفينة” و”إيمان ونور” مدعوتين لتكونا مكانين للحنان والشراكة، فتكونان بذلك إشارة صغيرة في العالم؟

بنظري، هذا هو الإنجيل. عاش يسوع، قبل حياته العلنية، حوالى ٣٠ سنة في الناصرة حياة مستترة، مشتغلاً مع يوسف، مقيمًا معه ومع مريم، حاضرًا للناس، وبخاصة لفقراء القرية. انجذب يسوع أيضًا إلى حياة مريم ومرتا ولعازر الأسرية في بيت عنيا (يوحنا 11)، المتمحورة أساسًا حول الشراكة مع لعازر الذي كان مسكينًا. انجذب شارل دو فوكو إلى حياة بسيطة مع أناس بسطاء، يدينون بالإسلام، لا ليغيرهم أو ليهديهم، بل ليكشف لهم أنهم ذوو قيمة وأن الله يحبهم. كان شارل دو فوكو يجد في أولئك الأشخاص الأفقر حضورًا خفيًا للمسيح.

لقد اعتمد المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ أساسًا، لكي يعملا في سبيل وحدة الرجال والنساء في الهند والولايات المتحدة، على شعبيهما الهندي والأسود حتى يُعترَف بكرامة كل إنسان. في مجتمع ينحَّى فيه الضعفاء لأنهم مزعجون (على الرغم من التقدم الفعلي في استقبالهم) وكثيرًا ما يُجهَضون فيه قبل أن يولدوا، لا أشعر بنفسي مدعوًا إلى تنظيم مظاهرات كبرى في شوارع باريس لكي أنال اعترافًا بكرامتهم، لكنْ إلى الحياة معهم وحسب، فأكون بذلك إشارة إلى أنهم أشخاص رائعون، عندهم الكثير مما يعطونه لمجتمعاتنا لو شئنا طوعًا أن نعقد صلة معهم. فبحياتنا في “السفينة” وفي “إيمان ونور”، وبالفرح الذي يشع من جماعاتنا، فيما يتعدى الآلام والمصاعب، نستطيع تبيان طريقة حياة جديدة، حيث من شأن الاحتفاء والفرح في العمل وفي الطعام والصلاة الجماعية، ومن شأن الشراكة والحنان بيننا، أن تفضي كثيرًا إلى تغيير نظرة هذه المجتمعات إلى الأشخاص الأضعف وإلى اكتشاف طريقة حياة جديدة.

إنه فصح ٢٠٠١! إنها ذكرى ميلاد عظيم “لإيمان ونور”. أربعون سنة انقضت منذ ذلك الحج الكبير سنة ١٩٧١، حين ذهب ١٢٠٠٠ حاج إلى لورد للصلاة والاحتفاء في الرجاء بأن تتغير النظرة إلى الأشخاص الضعفاء. والآن توجد ١٦٩٠ جماعة “إيمان ونور” صغيرة في ثمانين بلدًا. ماري-هيلين ماتيو بصدد إنهاء كتاب رائع في تاريخ “إيمان ونور” وكيف اقتادت “إيمان ونور” (مثل “السفينة”)، منذ أصلها، يدُ الله الحانية، القريبة من الضعفاء. شكرًا لجميع جماعات “إيمان ونور” هذه التي أرسلت إلي بطاقات صغيرة لكي نحتفي معًا بهذه الذكرى الجميلة.

عيد مجيد لتجدد للحياة!

جان

This entry was posted in Spiritual Life. Bookmark the permalink. Both comments and trackbacks are currently closed.