رسالة جان فانييه 5

أصدقائي الأعزّاء،

ها انا قد انتهيت ! فالانتقال من (31، جادّة لويز مَرِيّاك31 rue Louise Marillac ) إلى (19 جادة اوليان19, rue (d’Orléans ، قد اكتمل مع نقل الأثاث والكتب والاوراق وايضا الاوراق والكتب، مع السرير وفرشاة الاسنان (بالرغم من انه لم يعد عندي اسنان كثيرة ) واخيراً معي انا . المكان هنا جميل… في مكتبي نافذة كبيرة تطلّ على مصلّى الفلك (l’Arche) والحديقة، مع بيت صغير للعصافير فقط. سيأتون عن قريب، لينقروا الحَبّ يتنافسون ويلعبون. بيتهم الآن فارغ . سأتأمْلهم مع الوانهم : ابو الحنّاء، القُرقُب، الدّوري والحمام، وانواع اخرى كثيرة تأتي، بعد تردّد. . اني اتشوّق لمجيئهم، وان كانوا سيمنعوني من القراءة او عمل اي شيء آخر . العصافير، ما اجملها وما اخفّها، وكم هي سعيدة بالحياة، وإن كانوا يضجّون!… انهم يمجّدون الله في غنائهم، كأنهم يضحكون من الفرح. الله، يا الله!

كم هي جميلة الخليقة، فهي تكشف عن فرح الله وطاقته الخلاّقة. اني اتفهّم فرنسوا الاسّيزي (François d’Assiseالذي كان، على ما يبدو، موهوبا لفهم العصافير

وجذبهم اليه… اني لا اتمتع بمثل هذه الموهبة، للأسف! لست انا الذي اجذبهم دائما وانما الحبوب التي اقدّمها لهم! هذه السنة، سيترافق الميلاد، عندي، بفرح العصافير التي تفرح بميلاد جديد في بيت لحم، يغرّدون حول المزود، الى جانب البقرة والحمار، والنعاج وربما الماعز…
ميلاد جديد! حقّاً، بالنسبة لي، انها ولادة جديدة. بعد ستّة وثلاثين سنة امضيتها في بيتي الصغير الذي اعرف فيه كل نقطة، هذا المكان اصبح الآن مليئاً بالذكريات، واللقاءات الهادئة، والاصغاء إلى الله وإلى كلام الحقّ، من هذا وذاك من الناس، فضلا عن كلمات الألم والقلق… ولا انسى اوقات العمل والابداع. والأهمْ انني عرفت هنا لحظات من لقاءات مع يسوع، لحظات من الحيوية والوفرة، كما لحظات كنت اراوح مكاني او اشعر اني في ضياع، لحظات من الفراغ والفقر…
لا يعرف احد ماذا تأتي به ولادة جديدة. فالولد يُمضي تسعة اشهر في بطن امّه. ثم تأتي المفاجأة. بالنسبة للصغير، انه الحزن، لأنه امضى تسعة اشهر (ستة وثلاثين سنة، بالنسبة لي) في السعادة. هكذا ايضا، بالنسبة لي، ان اعرف المفاجأة بعد الحزن… صلوّا كي استقبل كل شيء بفرح.
إني مدين بعمق لجان كريستوف (Jean Christophe) وكريستين (Christine) اللذين خطّطا لهذا الانتقال، واتخذا الخطوات اللازمة لتتحوّل الفكرة إلى واقع. واعترف بالفضل أيضا لجان لامييه (Jean Lanier) ، ج. ك. مالّيهJean -Claude) (Mallet والمؤسسة، الذين اشتروا منزل الشعانين (Rameaux) (وقد أسّسه ستيف وآن نيوروت Steve et Anne) (Newroth ، في عام 1966، قبل تأسيس ديبريكDaybreak) ) فحوّلوه إلى منزل جميل جداً. كان قسم من البناء مخصصاً بمصلّى حيث كان الاب توماس (Père Thomas) يحيي قدّاس الأحد.

نعم، لقد تحوّل بيت الشعانين (Rameaux) إلى مَنسِك جميل جدا، حيث سأمضي السنوات الاخيرة من العمر، على طريق انهيار القوّة، نحو اللقاء الأخير وفي الحقيقة، اللقاء الأول، مع الله.
إني مَدِينٌ ايضاً لأدويل (Odile) التي سارت معي، بصفة مسؤولة عن الأرش في عام 1980 والتي قبلت، خلال تقاعدها، ان ترافقني، تنتبه إلى صحتي وكل شيء آخر. البيت مقسوم إلى مسكنين، الواحد منهما لأدويل،
بصفة مسؤولة عن الأرش في عام 1980 والتي قبلت، خلال تقاعدها، ان ترافقني، تنتبه إلى صحتي وكل شيء آخر. البيت مقسوم إلى مسكنين، الواحد منهما لأدويل، والآخر لي. طبعا، سأتناول احيانا الطعام هنا ولكني سأذهب باستمرار إلى « بيتي (mon foyer Le Val) ، حيث اتناول الطعام مع أخوتي وأخواتي، ومنهم من اعرفه منذ اربعين سنة.
اشعر بنفسي صغيرا، على عتبة هذه المرحلة الجديدة التي تبدأ مع عيد الميلاد، العيد الذي نحتفل فيه بميلاد يسوع، ميلاد مخلّص أتى ليحرّرنا من مخاوفنا وانانيّاتنا. في راسي وفكري وقلبي تتنامى رغبة حقيقية في التجديد والراحة في الله. تعرفون كم أثّرَتْ فيّ كتابات آتّي هلّسوم (Etty Hillesum)، تلك اليهودية الشابة التي قُتِلَتْ في اوشفتز (Auschwitz) ، عام 1934. لقد امضت حياتها القصيرة في وسط اشبع الاهوال. كانت تعرف انها محكومة بالموت، مع كل اليهود، من قبل هتلر (Hitler) واتباعه. «إنّي اتطلّع إلى عالمك في قعر العينين، إلهي، فانا لا احاول ان اهرب من الواقع لألجأ في احلام اليقظة الجمياة… واصرّ على مديح الخليقة، بالرغم من كل شيء! » هكذا كَتَبَتْ وبعد بضعة سطور، حيث تضع كلمة حياة مكان الله : «عندما اكفّ عن الخوف،… اراني مرتاحة على صدر الحياة العاري، فذراعاها اللتان تطوّقاني، كم هما عذبتان ومطمئنتان! وامّا قرعات قلبها، فلا يسعني وصفها : بطيئة، منتظمة، عذبة، تقريبا صامتة، كم هي امينة وقوّية، بحيث لن تتوقف ابدا، كم هي طيبة ورحيمة! ».

يبدو عالمنا وكأنه على شفير هاوية. ملايين من الناس، رجالاً ونساء، يتضوّرون جوعاً، بينما آخرون اسرى الخوف، ضحايا الحروب، لاجئون في مخيّمات، تستغلهم مافيات وهم ابرياء وسجناء. كلنا يعرف ذلك، فوسائل الاعلام تتكلم وتعلن لكن الصمت يعود فيهيمن وينسينا، بل يشجعنا على نسيان ذلك الصراخ، كما لو لم يكن موجوداً، كما لو انهم لم يعودوا موجودين. هذا وان العالم يمرّ في ازمات مالية حادّة. يكثر الكلام عن كل ذلك، ولكن هل تأثرنا حقا بواقع هذا النقص؟ الحياة مستمرة كما لو لم يكن شيء.
ستصل إلى مسامعنا، يوما ما، اصوات المذعورين، واجراس الميلاد تهتزّ مع اناشيد الميلاد، تقول : «سلام، سلام، سلام على الارض». الميلاد، هو كل يوم، عندما ينبثق شعاع في الظلام. نعم، السلام بين ايدينا، بين يديّ. بامكاني ان اعبّر عن الحنان والمحبة، معلنا للآخر المختلف انه جميل. ففي “الارث”، كما “ايمان ونور”، لسنا مناضلين من اجل قضية، وانما نحن شهود للرجاء. نحن نعرف النظرة التي تبتسم عند استيل (Estelle) يقولون انها تريسوميك(trisomique) . بعضهم اراد او كان بودّه ان يتخلّص منها قبل ولادتها، بعض الآخر وضع امله في شفائها من علتها التكوينية. ولكنها هي هنا ونظرتها المنيرة، تكشف عن وجود الله.
العالم حقّا مقلوب. فإله السلام، العذب، المتواضع والرحيم، ليس مختبئاً في النجوم، فوق رؤوسنا، او في افكار جميلة تصوغها مفردات ذكية، وانما هو في وجه استيل (Estelle) ، وجه طفل. فالموضوع ليس في شفاء هؤلاء الاطفال، او في إزالتهم وانما في اقامة اماكن حيث يتمكن كل واحد، مهما كانت هشاشته او صعوباته، ان يجد مكانه في المجتمع. فالموضوع ليس في الشفاء، شفاء استيل (Estelle) مثلا، وانما في بُرْءِ مواقف الخوف والنبذ القائمة في مجتمعنا. المطلوب هو اقامة اسر منفتحة، حيث يجد كلّ مجالاً للنموّ، والثقة في ذاته، فيكتشف معنى الحياة في العمق.
عندما اخذ يسوع طفلا بين يديه، نادى تلاميذه ودعاهم ليكونوا مثل هذا الولد الصغير، كي يدخلوا في ملكوت السموات، ملكوت المحبة. لنتلم كيف نستقبل هذا الحنان، هاتين العينين المندهشتين، هذا الانفتاح، هذه الثقة وهذه المحبة، وكلها هبة الطفل، ويقول يسوع : «من استقبل واحدا من هؤلاء الاطفال باسمي، فقد استقبلني». استقبال استيل (Estelle) هو استقبال الله. إله السلام مختبئ في الاصغر وفي الجريح. فلا نحاول ان نتسلق في السماوات، بل لننزل، لننزل لنلتقي بالكثير من امثال استيل (Estelle) ، واشخاصا استُبعِدوا. علينا حقا ان نلتقي بهم، قلبا مع قلب، شخصا مع شخص، وان نبتسم في
لحظات عذبة من التواصل؛ ليس لكي نغيّرهم، بل لنلقاهم، فاتحين مجالاً في قلبنا.

لنعد إلى صومعتي التي تحمل اسم بيت لعازر (Lazare). كان لعازر اخا لمرتا ومريم، من بتانيا، يتكلم عنهم يوحنا في الفصل الحادي عشر من انجيله. وتشير الاختان إلى لعازر، في دعوتهما ليسوع، “بالذي تحبه”. اذن اسمه هو “الذي تحبه”. وفي الكلام عن يوحنا، في اجيل يوحنا، « التلميذ الذي كان يحبّه يسوع». أليست تلك هويتنا كلنا : «الذين يحبّهم الله»؟ انه معنى حياتنا واكتمال حياتنا. اليوم، او من بذلك، ولكن، يوما ما سأختبر ذلك في الكمال. ان احيا الميلاد في بيت لعازر، هي مرحلة جديدة من حياتي. بدء نهاية حياتي. مع إنّي سأتعلم كيف اسند راسي على صدر الله، واستمع إلى قلبه ينبض.
هؤلاء الذين تابعوا رياضاتي حول الانجيل، انجيل يوحنا، يعرفون ان هنالك احتمالا (على ما اعتقد) في ان يكون لعازر مصابا باعاقة قاسية، ولذا كان يسوع يتردّد إلى بيته، ليرتاح عنده. فبيت لعازر مكان جيّد لطلب الضعف والوهن! عيد الميلاد زمن عذب جدا، حتى في البلاد الجنوبية حيث الشمس حارقة في الصيف. في فرنسا امطار، مع مناخ عذب جداً، واحيان قليلة من الشمس. العالم يمرّ في اوقات صعبه، ولكنه يمرّ بمظاهر جميلة من السلام. هنالك اناس رائعون، من اليمين وإلى اليسار، فوق وتحت، من مذاهب مختلفة، او بدون ايمان، يبحثون عن القيام بحركة تعبّر عن السلام والمحبة والانفتاح للناس المختلفين. يقدمون ابتسامتهم، وان خرجت ابتسامات من الفوضى. فالاعلان عن السلام هو هنا في قلوبنا.
لنكن في تواصل، البعض مع البعض، في هذه الشبكة الكبري حول الآرش وحول ايمان ونور، حيث نبرأ بعلاقتنا مع اشخاص مقموعين، معزولين او في الصعوبات. انها شبكة تعبر العالم في الاديرة، في قلوب المسيحيين والهنود والمسلمين واليهود، في المعابد، في الجوامع وفي الكنائس، في المصليات وفي الكنس، لدى رجال ونساء ليسوا مؤمنين بالضرورة ويؤمنون بالانسانية. انها لشبكة كبيرة حيث يجتهد، كلٌ بحسب امكاناته لينشط في سبيل السلم ويكون اداة سلام.
احبّ كتاب عز الدين ابو العيش «لن اكره» (I shall not hate, Je ne hairai pas). لقد فقد هذا الرجل ثلاثة من اولاده، قتلهم الاسرائيليون الجنود في غزة. علينا ان نغض الطرف عن كل رفض يأتي من الآخر، ونعتبره قادرا على المحبة والسلام.
صلوا من أجلي، كي استطيع ان اتعلم المحبة. من كلمات أتّي (Etty) الأخيرة في مذكراته: «أودّ ان اكون بلسما يسفح على ما شئتم من الجروح».
اشكركم على البطاقات والرسائل التي ارسلتموها إليّ. شكراً من أجل ما أنتم عليه.
بارك الله كل واحد منا وشعوب الارض كلها، في العام الجديد.
اقبلكم.

جان.

هل قرأت كتاب ماري هيلين ماتيو (Marie Hélène Mathieu)عن تاريخ ايمان ونور «لم اعد وحدي» … (Plus jamais seul, Presses de la Renaissance, octobre 2011)

This entry was posted in Spiritual Life. Bookmark the permalink. Both comments and trackbacks are currently closed.